صديق الحسيني القنوجي البخاري
475
فتح البيان في مقاصد القرآن
أقسم سبحانه بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق فيه عن التحرك ويغشاهم النوم الذي جعله اللّه راحة لأبدانهم ، وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار فقال : وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أي ظهر وانكشف ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل بطلوع الشمس لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكانها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش ، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة فكانت المصلحة في تعاقبهما . وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ما هنا الموصولة أي والذي خلقهما وعبر عن من بما للدلالة على الوصفية ولقصد التفخيم أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى ، قال الحسن والكلبي معناه الذي خلق الذكر والأنثى ، فيكون قد أقسم بنفسه الكريمة ، قال أبو عبيدة وما خلق أي ومن خلق . وقال مقاتل يعني وخلق الذكر والأنثى فتكون ( ما ) على هذا مصدرية قال الكلبي ومقاتل يعني آدم وحواء والظاهر العموم . قرأ الجمهور وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وقرأ ابن مسعود ( والذكر والأنثى ) بدون ما خلق ، قال المحلي والخنثى المشكل عندنا ذكر أو أنثى عند اللّه تعالى فيحنث بتكليمه من حلف لا يكلم ذكرا ولا أنثى انتهى ، وعبارة الخطيب الخنثى وان أشكل أمره عندنا فهو عند اللّه غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة انتهت ، وقال الكرخي يحنث بتكليمه لأن اللّه تعالى لم يخلق من ذوي الأرواح من ليس ذكرا ولا أنثى ، والخنثى إنما هو مشكل بالنسبة إلينا ، خلافا لأبي الفضل الهمداني فيما حكاه وجها أنه نوع ثالث ، ويدفعه قوله : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ [ الشورى : 49 ] ونحو ذلك قاله الأسنوي . إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى هذا جواب القسم أي أن عملكم مختلف فمنه عمل للجنة ومنه عمل للنار أو منكم مؤمن وكافر أو منكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار ، أو منكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد وبخيل . قال جمهور المفسرين السعي العمل ، فساع في فكاك نفسه وساع في عطبها ، وشتى جمع شتيت كمرضى جمع مريض ، وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض ، والشتات هو الافتراق ، وسعيكم مصدر مضاف فيفيد العموم فهو جمع معنى وإن كان مفردا في اللفظ ولذا أخبر عنه بالجمع وهو شتى فهو بمعنى مساعيكم . فَأَمَّا مَنْ أَعْطى أي بذل ماله في وجوه الخير وَاتَّقى محارم اللّه التي نهى عنها وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أي أيقن بالخلف الذي من اللّه ، قال المفسرون فأما من